أخبارشتنبر 2022

التبوريدة : تراث حضاري مغربي بامتياز

التبوريدة

بقلم علاء البكري

         إذا كانت الثقافة الشعبية جزءا لا يتجزأ من التراث الحضاري للشعوب، فإن فن “التبوريدة” أو “الفنتازيا” عنصر رئيس في التراث الحضاري المغربي التقليد الذي يعيد الذاكرة الشعبية للمتفرجين إلى عهود خلت. حيث تعود جذور هذا الفن إلى القرن الخامس عشر ميلادي، حينما كان وسيلة للجهاد ضد الغزاة، فكان المجاهدون المغاربة يمتطون ظهور جيادهم وينتظمون في صفوف حاملين الأقواس والنبال، قبل أن تعوَّض هذه الأقواس والنبال ببنادق البارود في القرن السادس عشر. ومع توالي الأزمنة والعصور صارت التبوريدة فنا فلكلوريا فرجويا تنظم له مهرجانات وطنية ودولية.

 وترجع تسمية هذا الفن بـ “التبوريدة” نسبة إلى البارود الذي تطلقه البنادق أثناء الاستعراض، كما له مسميات أخرى من قبيل صحاب البارود، والبّاردية، والخيالية… وهو عبارة عن مجموعة من الطقوس الاحتفالية الجماعية التي تحاكي معارك التحرير واحتفالات الانتصار على العدو، حينما كان المجاهدون المغاربة يمتطون ظهور جيادهم وينتظمون في صفوف أفقية حاملين السلاح في أيديهم لمواجهة العدو الغازي. 

التبوريدة

  وتختلف الحفلات والمناسبات التي تتخللها عروض التبوريدة، كحفلات الأعراس والمواسم والمسابقات وبعض الأعياد الدينية والوطنية وغيرها…

خلال هذه المسابقات، تتم مكافأة المواهب الأكثر إبداعا بين الفرسان مع احترام القواعد التنظيمية. وتنظم المسابقات الجهوية والبين- جهوية خلال العام كله في كافة مناطق المغرب، بينما تدور مجريات نهاية جائزة الحسن الثاني بدار السلام أثناء احتفالية “أسبوع الفرس”.

وتتألف عناصر التبوريدة الاحتفالية من جزأين:

الهدة : وهي التحية وحركة البنادق في أيادي الفرسان،

الطلقة : سباق الخيل الذي ينتهي بطلقة جماعية قوية ومتزامنة.

التبوريدة

المسابقات التي تنظم في هذا الإطار تكافئ، خاصة، درجة الالتزام بالاصطفاف، جودة انطلاق السربة، اللباس التقليدي للفرسان، طقم الخيول، مدى فنية حركات البنادق ودقتها، ثم تزامنية طلقات البارود.

وتجرى طقوس هذا الفن التراثي الفرجوي في مضمار سباقٍ يمتد طوله من 100 إلى 200 متر ويسمى “المحرك”، ويؤديه مجموعة من الفرسان والخيول يطلق عليهم اسم “السربة،” وتتكون عادة من 11 إلى 15 فارسا يصطفون على خط انطلاق واحد، ويترأسها “المقدم” أو “العلاَّم”، الذي يتخذ مكانه وسط الفرقة لينسق ويوجه حركات الرجال والخيل معاً.

ويردد الفرسان أثناء الاستعراض عبارات متنوعة تذكر بـ”حركة الجهاد”، ثم يطلقون نيران بنادقهم في اتجاه السماء أو في اتجاه الأرض ممتثلين في ذلك لإشارة “المقدم”. وكلما كانت الطلقات منسجمة وموحدة، كان التصفيق والتشجيع؛ وكلما كانت الطلقات متناثرة وغير موحدة، سخِطَ المقدم، وطغت الجلبة بين الجمهور

لباس الخيالة في التبوريدة فهو زي تقليدي خاص موحد بين أفراد المجموعة.

التبوريدة

أما فيما يخص لباس الخيالة في التبوريدة فهو زي تقليدي خاص موحد بين أفراد المجموعة (السربة)، ويتكون في غالب الأحيان من جلباب أبيض رقيق توضع تحته “الفرجية” والسروال العربي الواسع الأبيض. ويوضع فوق كل ذلك سلهام -برنس-، ثوبه رقيق ولونه أبيض؛ كما توضع عمامة بيضاء على الرأس ويستعمل “الحراف” وهي حبال حريرية حمراء، ويتأبط الفارس خنجراً وشكارة (محفظة). أما الحذاء الذي يسمى “التماك” فهو مصنوع من الجلد الخفيف يصل إلى ما دون الركبة تربط فيه من جهة القدم مهاميز لنقر الخيل في حال تقاعسها عن الاستجابة للفارس، فيما يُزين الفرس بسرج خاص يتكون من “اللبد” وهو نسيج صوفي ناعم يوضع على صهوة الفرس، و”الطرشاح” وهي ست سجاجيد من “الملف” (نوع من أنواع الثوب الجيد) وظيفتها حماية صهوة الفرس من الاحتكاك بـ”القربوس”، الذي يعتبر العنصر الأكثر أهمية في السرج بحيث يربط هذا الأخير بالجواد من مقدمة البطن برباط محكم.

التبوريدة

. أما اللباس الذي يرتديه الفرسان فهو لباس تقليدي وموحد ويتكون من:

·         – قفاطين متناسقة بسيطة أو مطرزة،

·         – سراويل تقليدية،

·         – سلاهم صوفية،

·         – عمامات،

·         – أحذية تقليدية (تماغ)،

·         – دليل الخيرات، مصحف يوضع في حقيبة صغيرة،

·         – خنجر موضوع في غمده.

ولما كانت علاقة الخيول البربرية والعربية  بالحروب علاقة وطيدة، فإنها هي الأكثر تكيفا مع التبوريدة

إن المرأة المغربية بدورها أبانت عن مهارتها وقدرتها على ركوب الخيل وإطلاق البارود.

التبوريدة

        ولم يعد فن “التبوريدة” – منذ سنوات خلت – مقتصرا على الرجل المغربي فقط، بل إن المرأة المغربية بدورها أبانت عن مهارتها وقدرتها على ركوب الخيل وإطلاق البارود إلى أن أفلحت سنة 2000 في تكوين فريق نسائي في فن التبوريدة حمل اسم “فريق السلام” تيمنا بالاتحاد الملكي المغربي للفروسية “دار السلام”، وهكذا بدأ اهتمام النساء المغربيات بفن التبوريدة يتزايد، إلى أن انتهى الأمر بتشكيل عدة فرق نسائية كل فرقة تقودها “مْقْدْمَة”.

إن نجاح التبوريدة كفن شعبي فلكلوري فرجوي، كفيل باحترام مجموعة من الشروط التي يجب على الفارس أو الفارسة التحلي بها على غرار الشجاعة والإقدام والقوة والانضباط والحرص على سلامته وسلامة زملائه وفرسه، وكذلك وجب على الفرس أن تكون صغيرة السن، بالغة الطول، وحرة عزيزة النفس.  ولمَّا كانت “التبوريدة” فنَّا مغربيا عريقا يجمع بين الرياضة والفلكلور، فإن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) لم تتردد في تصنيف هذا الموروث الشعبي وإدراجه ضمن اللائحة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي سنة 2021، واصفة إياه بالفن الشعبي الثقافي الأصيل

 

حقوق الصور : شعيب حداري – خالد العبد – أيوب بالحداد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى